حالة نفسية . قصة بقلم : سعيد رفيع

حالة نفسية . قصة بقلم : سعيد رفيع

عندما سألني موظف الاستقبال عن اسم الطبيب الذي أرغب في مراجعته همست: “الدكتور نعمان”، ولكن الملعون رفع صوته قائلا: “الطبيب النفسانی؟”، فأجبت بصوت خافت :”نعم”، .

قلتها وانا أشعر بالحرج الشديد، وشعرت بالناس الذين تزاحموا حولنا يرمقونني بنظرات متباينة، رأيت في عيون بعضهم شفقة، وفي عيون البعض الآخر اتهاما بالجنون، قبضت بأصابعي.

على الرقم (٦) ثم هرولت إلى العيادة النفسية، وأخذت مكاني في قاعة الانتظار، ووجهي يتصبب عرقا.

الأطباء والممرضات يمرقون أمامنا يمينا ويسارا، كلما مر طبيب شعرت بنظراته تخترقني، وكلما مرت ممرضة أمطرتنی بوابل من ذات النظرات. تلفت إلى المرضى من حولى، أحدهم كان يدخن بشراهة، وحاولت ممرضة أن تلفت نظره إلى أن التدخين ممنوع داخل المستشفى، ولكنه صرخ في وجهها، ففرت من أمامه مذعورة، وظل الرجل على حاله يشعل سيجارته الجديدة من القديمة،

مريض أخر كان يبدو قلقا، ويهز ساقيه بطريقة ملفتة للنظر، وثالث كان يجلس ساكنا، وهو يحملق في السقف بتركيز شديد وكأنه يتوقع سقوط أحد النيازك، أما المريض الذي بجواری مباشرة فقد كان منهمكا في فرك وجهه بأصابعه، ثم ينهض واقفا ويعاود الجلوس بلا مبرر، مما أشعرني بالخوف، فحدثتني نفسي بالانصراف، ولكني تمالكت نفسي، لعل لقائی بالطبيب يخلصني من الأم المعدة.

الممرضة التي تعمل في العيادة النفسية تفتح الباب من وقت لأخر وتنادي على أحد المرضى، لاحظت أن المريض يستغرق وقتا طويلا في الداخل، ولم استغرب ذلك، فالطبيب نفسانی لابد أن يتحدث مع المريض باستفاضة حتى يتعرف على عقدته النفسية. أخذت اقطع الوقت بمطالعة اللوحات المعلقة إلى الجدار، والنظر إلى العادين والرائحين، فوقع بصری علی رجل انيق، اشيب الرأس، يرتدي بدلة رمادية، وربطة عنق يلتقى لونها مع لون القميص والبدلة في تناسق جميل. كان الرجل يذرع الطرقة جيئة وذهابا، وكان كلما مر أمامنا يحملق في وجوهنا، وشعرت انه يخصني بنظراته، قلت لنفسي: “لست مجنونا والحمد لله.. كل ما في الأمر أني أعاني من توتر عصبي يسبب الأذى لمعدتي كما يقول الطبيب الباطني”.

تركت مقعدي وذهبت إلى دورة المياة، تأملت وجهي في المرآة، شعرت ببعض الاطمئنان عندما رأيت أن وجهی طبیعی، بل ويبدو مختلفا عن وجوه المرضى الذين أجلس بينهم، عدت إلى مقعدی، وتعمدت أن أخفي وجهی بالنظر إلى الأرض.

المريض الجالس بجانبي مباشرة وضع يده على كتفي فجأة، فحبست أنفاسي في هلع، وتطلعت إليه، رأيت على وجهه ابتسامة شاحبة، نظرت إلى كفه، وشعرت بثقلها فوق كتفي، كدت أن أصرخ مستغيثا، ثم تريثت، فسألني وهو يغمزلي بإحدى عينيه: “انت أيضا تريد الدكتور نعمان؟.” قلت : “نعم”، قال: “تسمع صراخا في الليل؟”، فكرت قليلا، ثم قلت: “نعم”، التمعت عيناه، وقال : “سيعطيك الدكتور أقراصا حمراء وأقراصا أخرى بيضاء”، ثم رفع كفه من فوق كتفي، فشعرت بالارتياح. عدت انظر إلى عينيه، فطالعتني فيهما نظرات جامحة، وفكرت أن أترك مقعدی، وأذهب لمقعد أخر، ولكني أيقنت بعبث المحاولة، فكل الجالسين من حولي مرضى، وقد يكون هذا المريض أقلهم خطرا.

عاد الرجل الأنيق يمر من أمامنا، ولكنه في هذه المرة توقف في مواجهتي مباشرة، ثم سألني بلهجة ودية : كم رقمك ؟ وقفت احتراما، وقلت : “رقم ٦”، هز رأسه ثم توجه مريض أخر، وأنت كم رقمك ؟ أجاب المريض وهو واقف أيضا: “رقم ٩”، وهنا انصرف الرجل الأنيق في وقار وتؤده، فأخذت اتبعه بناظری، وهو يستوقف المرضى، ويحادثهم، وكان المرضى يبادلونه الحديث باحترام بالغ، فأيقنت أن الرجل مدير كبير في المستشفى، وربما يكون صاحب المستشفي نفسه، فطريقته في المشي والحديث تشي برفعة شأنه.
مر أحد الأصدقاء وهو يحمل طفله الصغير، وتتبعه زوجته، وكان يبدو في طريقه إلى عيادة الأطفال، تمنيت ألا يرانی، بل تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، ولكنه لمحني، فتوقف، بينما واصلت زوجته سيرها، ثم دنا مني وقال :
– ألف سلامة.. خير؟
قالها وهو يطالع اللوحة المعلقة إلى الجدار (عيادة الأمراض النفسية والعصبية)، فشعرت بالدم يندفع حارا إلى وجهي، وقلت وأنا أغالب ارتباکی :
– لست مريضا والحمد لله.. بل جئت مرافقا لأحد اقاربی.
انصرف الصديق ولحق بزوجته، فعاودت الجلوس وأنا أشعر بالحرج الشديد، وعدت أفكر جديا في الانصراف، ثم تذكرت المبلغ الكبير الذي دفعته لقاء مراجعة الطبيب، وقلت في بالی “طز.. خسارة الفلوس ولا الفضيحة.. يجب أن انصرف
قبل أن يراني أخرون”، ولكني تذكرت متاعب المعدة فتحزمت بالصبر، وعدت أطرق برأسي إلى الأرض حتى لا يتعرف على أحد.
الرجل الأنيق، ذو البدلة الرمادية، عاد من جديد ووقف أمامنا، وقال بنبرة رقيقة، وهو يطالعنا بوجه هادئ : هل هناك أي مشكلة يا اخوان؟ هززنا رؤوسنا جميعا وقلنا: “لا.. كل شي
على ما يرام”، انفرجت شفتاه عن ابتسامة راضية، ثم عاد یسألنا: هل لديكم شكوى من أي نوع؟، عدنا نهز رؤوسنا بالنفي، وشكرناه على اهتمامه بنا.
أطرقت إلى الأرض، حتى لا يختزن الرجل ملامحي، ولكني أضطررت لرفع رأسي من جديد عندما سمعت الممرضة تنادي على المريض رقم ٥ “الأستاذ شوكت.. الأستاذ شوکت”، فرأيت الرجل الأنيق يشد قامته، ثم يندفع مهرولا إلى غرفة الطبيب.

قد يهمك أيضا

واقعية النص الشعري وازدواجية المشهد في ديوان كان يوم حر جدا لـ محمد عبد القوي حسن د. أسماء عطا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: