احمد زكي
احمد زكي

في ذكرى رحيله ، السيناريست عماد النشار يكتب / صادفت البرئ أحمد ذكي

في ذكرى رحيله ، السيناريست عماد النشار يكتب / صادفت البرئ أحمد ذكي

صادفت الفنان الراحل أحمد ذكي مرة واحدة ، كنت يومها في شركة إنتاج بأحد الشوارع المتفرعة من شارع أحمد عرابي بحي المهنسبن ، كي أسلمهم حلقات مسلسل دموع القمر من تأليف أستاذي وأخي وصديقي السيناريست الكبير مجدي سالم ، هذا المسلسل الذي تم عرضه وقامت ببطولته الفنانة اللبنانية نور ، ونخبة من الفنانين ، بعدما أنهيت مهمتي ، وبمجرد ما خرجت من الأسانسير قمت بالإنصال بأستاذي لأخبره وأساله إذا كان يريد شئ أحضره معي في طريقي عودتي للمنزل ،لأنني وقتها كنت سعيد الحظ بالإقامة معه ، هو ونجله الصبي الجميل أحمد الذي كان وقتها في المرحلة الإعدادية ، وهذا مااتاح لي الفرصة أن أنهل من فيض صنعته وحرفته المتميزة في كتابة السيناريو، وبمجرد أن أنهيت أخر رقم وضغطت على زر الإتصال ، حتى أتاني صوته باكياً نائحاً وهو يصرخ : أحمد مااااات يا عماد ! ، ألجمتني الصدمة وخارت قواي وجلست على الرصيف من هول الخبر الصاعق ، وأنا أرى أمامي أخر مشهد جمعني بحبيبي أحمد ، الذي تركته منذ ساعة عندما أنهينا إفطارنا معاً ومداعباته لي ومدى تعلقه وحبه لي وإلحاحه بالذهاب معي ، لولا أن منعه والده لأنه عنده درس في مادة الرياضيات العقدة الأزلية لأغلب الطلاب .
كيف مات أحمد وهو المفعم بالنشاط والحيوية وصاحب البنيان القوي رغم حداثة سنه ولا يعاني أي مرض ؟!
هكذا أخذت الأسئلة والخيالات تطرق رأسي ، هل صدمته سيارة أثناء عبوره للشارع ، أم على إثر شجار مع أصحابه ، هل طعنه أحدهم بمطواة ، أم ذبحه بكتر حاد ، أم ضربه بحجر على رأسه ، أم وقع على حافة الرصيف أثناء محاولته الفرار منهم ؟
هكذا وقعت رأسي بين مطرقة الخيالات وسندان الفجيعة ، إستفقت على صوت السائس الجهور وهو يصيح بعنف بسائق عربة ربع نقل محذراً إياه من الوقف في هذا المكان لأنه مخصص لسيارة الباشا التي حان وقت وصولها أسفل شركته ، نهضت الملم خيالاتي المأسوية وأكفكف دموعي على أحمد ، قاصدا شارع أحمد عرابي بالمهندسين كي استقل السيارة وأعود سريعاً لأشاطر أستاذي في مصابه الفادح ولوعته على أحمد وحيده ، وما أن وضعتي قدماي في شارع أحمد عرابي حتى أستوقفتني سيدة عجوز مظهرها غاية في البساطة تتوكأ على عكازها ترتدي نظارة طبية وتتشح بالسواد ويبدو عليها الحزن الجلل .

قد يهمك أيضا: الفنانة غادة بشور تثير ضجة بنشر فيديو داخل المستشقى .. تفاصيل حالتها الصحية

بادرتني بصوت مبحوح : هو جامع مصطفى محمود فين يا ابني اللي هيصلوا فيه على المرحوم أحمد ذكي ؟
وقفت مشدوهاً متأثراً أحملق في السيدة دون أن أنطق بكلمة ، وحزنها الجلل الذي يمزق نياط القلب على وفاة الفنان الراحل وكأنه إبنها أو أحد أقاربها وهي التي أكاد أجزم أنها لم تقابله ولو لحظة في حياته ، ثم تذكرت سريعاً مدى حب وتعلق أستاذي مجدي سالم بالراحل أحمد ذكي ، وتأثره بأخبار مرضه وتطوره التي كان يتابعها على مدار الساعة من وسائل الإعلام المختلفة ، وعينه التي كانت تفيض بالدمع عند سماعه اخبار تدهور حالته الصحية ، وأمنية حياته بعمل له يقوم ببطولته أحمد ذكي ، بعدما أطمئننت على حياة أحمد مجدي ، عُدت وحزنت على وفاة أحمد ذكي ، أصطحبتها معي وبعد عشرة خطوات أتي رجال المرور وأقفوا الطريق لتمر سيارة اسعاف مستشفى دار الفؤاد تحمل داخلها جثمان الفنان الراحل وفوقها أحد مصوري القنوات الفضائية ، وما أن لمحت السيدة السيارة حتى صاحت نائحة : أحمد حبيبي أهو ، لم أتمالك نفسي من البكاء ورفعتي سبابتي للسماء وقرأت له الفاتحه وبعض الأدعية حتى غابت السيارة عن ناظري ، أكملت السير مع السيدة حتى وصلنا مشارف جامع مصطفى محمود بشارع جامعة الدول العربية الذي أكتظ بألاف من جمهور ومحبي الفنان أحمد ذكي ، تركتها تشق طريقها للمسجد بعدما حال الأمن من دخول هذه الأعداد الغفيرة للصلاة عليه ، سيرت بعض خطوات وقمت بالأتصال بأستاذي أسئله عن أحمد هل عاد من الدرس ليجيبني بصوته الممزق حزناً على الفنان الراحل :أيوة ياحبيبي ، جوه أوضته بيعيط ويدعي لأحمد ذكي .
كلما تذكرنا هذا الموقف أنا وأستاذي نضحك ونحزن في نفس الوقت .
رحم الله فنان الشعب أحمد ذكي هو وسائر أمواتنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !