قصة مسافر في الليل
قصة مسافر في الليل

قصة قصيرة .. مسافر في الليل ” الجزء الثالث ” بقلم / على حزين

قصة قصيرة ..
مسافر في الليل ” الجزء الثالث “
بقلم / على حزين
تلَّفت حوله فإذ بصوره تملأ الهواء , والأجواء , تظهر وتختفي كومضات إلكترونية في كل مكان , تظهر وتختفي في الهواء الطلق كشريط نيرون , استغرب من ذلك واندهش من هذا الأمر , وراح يسأل نفسه وهو في حالة اندهاش وذهول :
ــ هذه صوري , نعم صوري التي كنت قد نشرتها قبل ذلك عبر المواقع الإلكترونية في النت وتلك أعمالي الأدبية التي كنت قد وثَّقَتها لي بعض المجلات والمواقع الأدبية كيف هذا.. ؟؟!!
وبينما هو يتكلم مع نفسه وهو ما زال في حالة الاندهاش والاستغراب لما يحدث حوله , وإذ بجمعٍ غفيرٍ يقبل عليه من أصحاب البزات الفضائية الطائرة تحتشد ويتجمعن حوله وقد أخذوا يعاملونه معاملة لطيفة للغاية وكأنه رجل مهم جداً , أو أحد المسؤولين الكبار وهو لم يتعود على ذلك أقصى ما وجد من احترام كان من زوجته ومع ذلك كان يشعر ويحس دائماً بأن احترامها له زائف أو ربما كان من باب الخوف منه , وأيضاً بائع الفول المدمس والطعمية حينما يُقبل عليه وهو ذاهب إلى عمله في الصباح فيظرفه بالعشرة جنيهات حتى يصنع له فطاره الذي يأخذه معه للعمل,
يتقدم منه رجلاً يبدو عليه أنه ذو شأن ورفعة وسط القوم سأله وهو يبتسم في وجهه
ــ كيف حالك سيدي ..؟!..
نظر إليه وأطال النظر وهو شاغر فاه ولا يتكلم , لكن الرجل الأخر لم يترك الابتسامة لتسقط من على وجهه البشوش ذو الملامح الهادئة بل حسَّنها وجملها بضحكة حفيفه مع إشارةٍ بيده ترحيباً بالضيف , ثم واصل حديثه
ــ أهلاً بك سيادة المؤلف العظيم , نحن لن نشغلك كثيراً , نحن نعرفك جيداً ونعرف بأن وقتك ثمين للغاية ,
ــ لكني أنا لا أعرفكم .. من أنتم ..؟!
ــ نحن يا عزيزي بشرٌ مثلك , لا تقلق يا عزيزي , ألا تري أنَّا نتكلم مثلك
ــ لكن أنتم محتفلين كثيراً عني , والمكان غريب جداً , فيه شيء بل أشياء مختلفة ..
ــ تقصد ما تراه وما تشاهده
ــ نعم ما أراه , شيء عجيبٌ وغريبٌ حقاً
ــ لا عليك , لا عليك , سأوضح لك الأمر لكن ليس الأن يا عزيزي , ستعرف كل شيء ولكن ليس الأن .. كل شيءٍ في وقته
ــ لا لو سمحت أريد أن أعرف أين أنا , وما هذا المكان الغريب
يضحك الرجل فيضحك كل من حوله من أصحاب البزات الطائرة , مما زاد في توتره وغضبه وانفجاره بالسؤال قبل انهياره بالبكاء ,
ــ من أنتم , وأين أنا , هل أنا نائم , أم انتقلت إلى عالمٍ آخر , بربكم أخبروني ,
ــ يا عزيزي هَوِّن عليك , أنا أردت أن أترك لك متعة البحث والملاحظة وتستكشف أنت بنفسك هذا العالم الجديد الذي انتقلت إليه ولكن بما أنك تريد أن تعرف اسمح لي أن أخبرك وأعلمك بالأمر,
ــ وما هو هذا الأمر ..؟!.
ــ أنت يا عزيزي الآن في الأَلفية الثالثة , لا تندهش كثيراً , نعم في الأَلفية الثالثة , لقد انتقلت عبر آلة الزمن
ــ كده مرة واحدة , وكيف حدث هذا ..!!
ــ هذا أمر بسيط جداً بل ويحدث كثيراً , فلماذا أنت مستغرب هكذا ..؟!!…
ــ نعم أنا قرأتُ كثيراً عن هذا الأمر بل وشاهدت فيديوهات يوتيوب كثيرة ولكن ما هي إلا نظريات ورؤى لم تصل إلى حد الواقع واليقين , هذا مستحيل وغير معقول ..؟!!
ــ وما هو الغير معقول يا سيدي المؤلف , كل شيءٍ كان منشئه فكرة , ثم انقلب إلى واقع , أليس كذلك
ــ نعم , لكن أن تصل إلى اختراق الزمان والمكان , هذا شيء مستحيل
ــ يرجع ويخبرني بالمستحيل والغير معقول , أنت إنسان مثقف وواعي وعارف ولا يحق لك أن تتكلم بهذا ,
ــ لالا أنا غير مصدق , إطلاقاً ,
ــ لك ما تشاء يا صديقي العزيز , لك ما تشاء هذا حقك ,
يضحك كل من حوله , يشعر بالعطش يطلب شربة ماء, يُخرج هذا الشاب الذي كان جالساً بجواره زجاجة صغيرة شفافة بها قطرات ماء تكاد فيها تعد , تعجب منها لكنه أخذها ودون أن يسأله شربها فذهب عنه ما هو فيه من عطش , يهدأ بعض الشيء , بينما يتفرق الجمع الذي كان محيط به إلا هذا الشاب الوسيم الذي هو جالس بجواره ولم يتركه , وهو يحاول أن يقنعه بأنه انتقل إلى الأَلفية الثالثة , وهو غير مصدقٍ كل هذا ,
ــ أنا كنت قاعد في القطار إيه اللي جابني هنا
ــ نحن نعرف ذلك وبأمارة أنك كنت ذاهب الي المؤتمر الأدبي الذي دعيت إليه ,
ــ فعلاً وكيف عرفتم
ــ نحن نعرف عنك كل شيء عن طريق الداتا , نقل البيانات من خلال الضوء ,
وراح يقص عليه أموراً كثيرةً جداً , ويخبره عن أشياء مرت به في حياته ما زال يذكرها وأشياء أخرى طواها النسيان , وتركه يتحدث , وسرح بخياله بعيداً ,
تذَّكر بأنه أول أمس وقبل أن يركب القطار كان في عيادة دكتور جراحة وطلب منه بعض التحاليل والإشاعات قبل ما يخبره بشيءٍ فأذعن لذلك أحضرهم له , وطلب منه الصراحة والوضوح فهو من القوة والشجاعة بمكان يجعله يطلب منه ذلك , فقال له الطبيب:
ــ لابد من عمليةٍ جراحيةٍ , ليس لها غير ذلك
اسودت الحياة في عينيه , ودارت به الدنيا , ومادت به الأرض من تحت قدميه , وغاب عن الوعي أو كاد , فالعملية الجراحية خطيرة جداً فضلاً على أنه لا يملك ثمنها , وهو يكره مشرط الأطباء ولا يثق في أي طبيب إلا ما ندر لما له من تجارب مع البنج والألم والمضادات الحيوية وما يحدث له أثناء التخدير ,
ثم ذهب إلى عقله الواعي ليبحث عن نفسه , فوجد نفسه في مكان ما لا يدري من أين جاء, ولا أين كان , ولا أين هو بالضبط , وأخذ تيار الوعي في صراع مع نفسه وعقله الباطن, واللاوعي بداخل نفسه , حاول لكن عبثاً أن يجد تفسيراً منطقياً لما يحدث , وكأنه بين اليقظة والنوم , أو كأنه مخدر , وراح يتساءل مع نفسه :
ــ ” هل هو حلم , أم هذا من أثر البنج , هو لا يذكر إن كان قد أجرى العملية أم لا ,
نعم العملية خطيرة ولا بد من إجرائها , لكن لم يتذكر جيداً , ربما لو أفاق من البنج لتذكر , وربما كان حلماً , وربما غير ذلك , وهل ما هو فيه له تفسير منطقي , وهل من المنطق أن ينتقل الإنسان إلى عام ثلاثة آلاف “3000م ” وهو في العام ” 2021 ” هل هذا يعقل , مستحيل طبعاً ..!
ووجد نفسه في حيرة من أمره , يريد تفسيراً منطقياً لكل هذا ولكنه لم يجد ,
نعم هو قرأ كتباً كثيرة صفراء وبيضاء تحمل أفكاراً مثل هذا وتتحدث في هذا الأمر كثيراً , بل وشاهد كثيراً من الأعمال السينمائية التي عالجت مثل هذه الأمور , لكن أن يصل به الأمر أن يحدث معه هذا ,
ــ تباً لهذه الكتب التي أفسدت رأسي
ينتبه على صوت غريب أشبه بصوت تحديث الرسيفر وإذا هو بمركبة طائرة تهبط في المكان الغريب العجيب , هو ما زال في هذا المكان ,
ينهض هذا الشاب وهو يطلب منه بأن يركب معه إلى المنزل ليستضيفه , فلم يمانع في , اصطحابه والركوب معه بعدما أقنع نفسه بنفسه بأن الذي هو فيه الأن حُلم , أو ربما خيال يقظة , واعتبرها فرصة ليتعرف على المكان أكثر وأكثر ويستكشفه عن قرب واعتبرها رحلة خيالية جميلة ,
قام وركب معه الحافلة التي تشبه الطبق الطائر الذي قرأ عنه في تسعينيات القرن العشرين وشاهده في بعض أفلام هوليود , فهو مغرمٌ بهذه الأخبار وتتبعها , وخصوصاً ما يتعلق بالاكتشافات الحديثة والأثرية وعلوم الفضاء وعلم النفس وما وراء الطبيعة وكل هذه الأمور وغيرها والتي تتعلق بالإثارة والتشويق والمتعة , جلسا كلاً منهما في مكان بجوار النافذة , فهو مكانه المفضل دائماً ” المكان جميل جداً ونظيف بالداخل وجيد التهوية ومطلىٌّ بألوان ورسومات غريبة وعجيبة في نفس الوقت , جلس أمام صاحبه , وكل منهما له شاشة مناسبة للمكان , عليها تعليمات بكل لغات العالم , قرأ بالغة العربية بعض الإرشادات من نوعية .. ” اقرأ , أو فكر, أو تأمل , الرجاء ربط الحزام جيداً , المحافظة على نظافة المكان , عدم إزعاج الأخرين أو الانزعاج , لا تحاول تضييع الوقت فيما لا يفيد .. ولو دارت محادثة ما فالرجاء بصوت يكون منخفضاً.. ابتسم في وجه أخيك .. الخ .. الخ …
بعدما قرأ هذه التعليمات فكر أن يتعرف على هذا الشاب الوسيم الجالس أمامه,
سأله بصوت منخفض عن اسمه..؟!.. وعن عمله..؟!.. فأخبره بأن اسمه ” يحيي ” …. وبأنه يعمل في مجال التكنولوجية الرقمية الحديثة في إحدى المصانع العملاقة حيث يقوم بتصنيع البدلات الطائرة ذات الطراز العالي , وبأنه ما زال في تمهيدي ماجستير, وبأنه يهوى القراءة في كتب الأدب والشعر والروايات التي تتحدث عن الزمن الماضي, وجمع المعلومات وتصليح ما يتلف في البيت , وبأن أباه قد مات منذ فترة وترك لهم ثروة لا بأس بها , وبأن أمه مشغولة ومهتمة دائماً , بجوار ما تقوم به من أعباء المنزل , بتغيير لون بشرتها من حينٍ لأخر , ولون عينيها كذلك , وبأن له أخت ما زالت تدرس في إحدى الجامعات العريقة التي تهتم بعلم الجينات الوراثية .. وتركه يحكي , ويحكي ..
وراح ينظر من المركبة الفضائية العجيبة الصنع التي لم يرها إلا في أفلام الخيال العلمي , لكن هو يستقلها الأن , يتلفت حوله فيرى من حوله بشر مثله ولكن أجسامهم ضئيلة وبسيطة ونحيفة بل صغيرة جداً وكأنه انتقل إلى عالم الأقزام , هو الوحيد بينهم ضخم الجثة , والمركبة يكاد سطحها يلتصق برأسه , يلاحظ بعضهم ينظرون إليه وقد رسمت على وجوههم علامات استفهام وتعجب كبيرة , بينما البعض لا يبالي ولا يهتم به …
” هو قرأ قصصاً كثيرة عن عالم الأقزام , وكم تمنى أن يذهب إليهم ليعيش معهم , فهم يتواجدون بكثرة في جزر ” اندمان ” بالمحيط الهندي وفي الفليبين وماليزيا … الأقزام أناس يتصفون بضآلة الجسم لكنهم طيبون جداً ومسالمون يعيشون عادة عيشة بدائية بسيطة وجميلة , ويعيشون أيضاً في أماكن متطرفة في قارة افريقيا ومن أشهر جماعات الأقزام تدعى نجريللوز (( nigrillos )) وتعيش في افريقيا الوسطى ولا يتجاوز طول الشخص البالغ 130 سم تقريباً وطول المرأة 120 سم “..
تمنى أن يكون كل ما يشاهده ويراه أحلام يقظة , وبأن الأمر برمته مجرد حلم ليس إلا, وتمنى أيضاً بأن يكون الأمر كله برمته مجرد خيال في خيال .. أو ربما يكون من تأثير العملية الجراحية , والبنج اللعين الذي أخذه , لكنه لم يتذكر بالضبط هل عمل العملية أم لا , وتمنى بأن ما يراه ويشاهده هو في رأسه فقط , ولكن كيف وهو يشعر ويحس ويرى ويسمع , بل هو على يقين بأنه كان جالساً في القطار , وفي طريقه إلى العاصمة , لحضور المؤتمر السنوي الذي دعي إليه ,
مدَّ يده في جيبه أخرج الخطاب الذي جاءه في طيِّه الدعوى للمؤتمر , نظر إليه نظرة تأمل , قرأه : ” نتشرف بحضور سيادتكم إلى المؤتمر الأدبي ,,,,,,,,,,,, “
**********************
تمت مساء الثلاثاء / 22 / 6 / 2021
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

الأكثر مشاهدة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: